العيني
87
عمدة القاري
أحسب أنساً ذكر السويق أيضاً ، وجزم عبد الوارث في روايته بذكر السويق . وقال الكرماني : أي قال : وجعل الرجل يجيء بالسويق ، ويحتمل أن يكون فاعل : قال ، هو البخاري . ويكون مقولاً للفربري ، ومفعول : أحسب ، يعقوب ، والأول هو الظاهر . قوله : ( فحاسوا حيساً ) الحيس ، بفتح الحاء المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره سين مهملة : هو تمر يخلط بسمن وأقط ، يقال : حاس الحيس يحيسه أي : يخلطه . وقال ابن سيده : الحيس هو الأقط يخلط بالسمن والتمر ، وحاسه حيساً وحيسة : خلطه . قال الشاعر : * وإذا تكون كريهة يدعى لها * وإذا يحاس الحيس يدعى جندب * قال الجوهري : الحيس : الخلط ، ومنه سمي الحيس ، وفي ( المخصص ) قال الشاعر : * التمر والسمن جميعاً والأقط * الحيس إلاَّ أنه لم يختلط * وفي ( الغريبين ) : هو ثريد من أخلاط . قال الفارسي في ( مجمع الغرائب ) : ا أعلم بصحته . قوله : ( فكانت وليمة رسول ا ) اسم : كانت ، الضمير الذي فيه يرجع إلى الأشياء الثلاثة التي اتخذ منها الحيس . قوله : ( وليمة النبي ) بالنصب : خبره . ذكر الأحكام التي تستنبط منه منها : جواز إطلاق صلاة الغداة على صلاة الصبح ، خلافاً لمن كرهه من بعض الشافعية . ومنها : جواز الإرداف إذا كانت الدابة مطيقة ، وفيه غير ما حديث . ومنها : استحباب التكبير والذكر عند الحرب ، وهو موافق لقوله تعالى : * ( يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فأثبتوا واذكروا ا كثيراً ) * ( الأنفال : 54 ) ومنها : استحباب التثليث في التكبير لقوله : ( قالها ثلاثاً ) أي ثلاث مرات . ومنها : أن فيه دلالة على أن الفخذ ليس بعورة ، وقد ذكرنا الجواب عنه . ومنها : أن إجراء الفرس يجوز ولا يضر بمراتب الكبار ، لا سيما عند الحاجة أو لرياضة الدابة أو لتدريب النفس على القتال . ومنها : استحباب عتق السيد أمته وتزوجها ، وقد صح أن له أجرين كما جاء في حديث أبي موسى ، وسيأتي ، إن شاء ا تعالى . وقال ابن حزم : اتفق ثابت وقتادة وعبد العزيز بن صهيب عن أنس أنه : عتق صفية وجعل عتقها صداقها ، وبه قال قتادة في رواية ، وأخذ بظاهره أحمد والحسن وابن المسيب ، ولا يحل لها مهر غيره ، وتبعهم ابن حزم فقال : هو سنة فاضلة ونكاح صحيح وصداق صحيح ، فإن طلقها قبل الدخول فهي حرة فلا يرجع عليها بشيء ، ولو أبت أن تتزوجه بطل عتقها . وفي هذا خلاف متأخر ومتقدم . قال الطحاوي : حدّثنا محمد بن خزيمة ، قال : حدّثنا مسلم بن إبراهيم ، قال : حدّثنا أبان وحماد بن زيد ، قال : حدّثنا شعيب بن الحبحاب عن أنس بن مالك : ( أن رسول الله أعتق صفية وجعل عتقها صداقها ) . وأخرجه مسلم ، وأخرجه الترمذي ، وأبو داود ، والنسائي . ثم قال الطحاوي : فذهب قوم إلى أن الرجل إذا أعتق أمته على أن عتقها صداقها جاز ذلك ، فإن تزوجت فلا مهر لها غير العتاق . قلت : أراد بهؤلاء القوم : سعيد بن المسيب والحسن البصري وإبراهيم النخعي وعامر الشعبي والأوزاعي ومحمد بن مسلم الزهري وعطاء بن أبي رباح وقتادة وطاوساً والحسن بن حيي وأحمد وإسحاق فإنهم قالوا : إذا أعتق الرجل أمته على أن يكون عتقها صداقها جاز ذلك ، فإذا عقد عليها لا تستحق عليه مهراً غير ذلك العتاق ، وممن قال بذلك : سفيان الثوري وأبو يوسف ويعقوب بن إبراهيم ، وذكر الترمذي أنه مذهب الشافعي أيضاً . وقال عياض : وقال الشافعي : هي بالخيار إذا أعتقها ، فإن امتنعت من تزوجه فله عليها قيمتها إن لم يمكن الرجوع فيها ، وهذه لا يمكن الرجوع فيها ، وإن تزوجت بالقيمة الواجبة له عليها صح بذلك عنده . وفي ( الأحكام ) لابن بزيزة ، في هذه المسألة : اختلف سلف الصحابة ، وكان ابن عمر لا يراه ، وقد روينا جوازه عن علي وأنس وابن مسعود ، وروينا عن ابن سيرين أنه استحب أن يجعل مع عتقها شيئاً ما كان ، وصح كراهة ذلك أيضاً عن الحسن البصري وجابر بن زيد والنخعي . وقال النخعي : كانوا يكرهون أن يعتق الرجل جاريته ثم يتزوجها ، وجعلوه كالراكب بدنته . وقال الليث بن سعد وابن شبرمة وجابر بن زيد وأبو حنيفة ومحمد وزفر ومالك : ليس لأحد غير رسول الله أن يفعل هذا فيتم له النكاح بغير صداق ، وإنما كان ذلك لرسول الله خاصة ، لأن ا تعالى لما جعل له أن يتزوج بغير صداق كان له أن يتزوج على العتاق الذي ليس بصداق . ثم إن فعل هذا وقع العتاق ، ولها عليه مهر المثل ، فإن أبت أن تتزوجه تسعى له في قيمتها عند